ابن تيمية
126
مجموعة الرسائل والمسائل
وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ) فإنه صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح " لله أرحم بعباده من الوالدة بولدها " وفي الصحيحين عنه أنه قال " إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة ، فبها يتراحم الخلق حتى أن الدابة لترفع حافرها عن ولدها من تلك الرحمة ، واحتبس عنده تسعاً وتسعين رحمة فإذا كان يوم القيامة جمع هذه إلى تلك فرحم بها عباده " أو كما قال . ثم هؤلاء الجمهور من المسلمين وغيرهم كأئمة المذاهب الأربعة وغيرهم من السلف والعلماء الذين يثبتون حكمة فلا ينفونها ( 1 ) كما نفاها الأشعرية ونحوهم الذين يثبتون إرادة بلا حكمة ومشيئة بلا رحمة ولا محبة ولا رضى ، وجعلوا جميع المخلوقات بالنسبة غليه سواء لا يفرقون بين الإرادة والمحبة والرضى بل ما وقع من الكفر والفسوق والعصيان قالوا إنه يحبه ويرضاه كما يريده ، وإذا قالوا لا يحبه ولا يرضاه ديناً قالوا أنه لا يريده ديناً ، وما لم يقع من الإيمان والتقوى فإنه لا يحبه ولا يرضاه عندهم كما لا يريده . وقد قال تعالى ( إذ يبيتون ما لا يرضى من القول ) فأخبر أنه لا يرضاه ، مع أنه قدره وقضاه ، ولا يوافقون المعتزلة على إنكار قدر الله تعالى وعموم خلقه ومشيئته وقدرته ، ولا يشبهونه بخلقه فيما يوجب ويحرم كما فعل هؤلاء ، ولا يسلبونه ما وصف به نفسه من صفاته وأفعاله بل أثبتوا له ما أثبته لنفسه من الصفات والأفعال ونزهوه عما نزه عنه نفسه من الصفات والأفعال ، وقالوا إن الله خالق كل شيء ومليكه وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وهو على كل شيء قدير وهو يحب المحسنين والمتقين ، ويرضى عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ولا يرضى لعباده الكفر ، ولا
--> ( 1 ) كذا في الأصل وظاهره أن كلمة " الذين " صفة لما قبله وحينئذ يبقى مبتدأ الكلام بغير خبر . فإذا حذفت كانت جملة " يثبتون " خبر المبتدأ ، وإذا بقيت وجب حذف الفاء من قوله " فلا ينفونها " لتكون الجملة بعدها هي الخبر . وربما كان في الأصل تحريف غير هذا